سهيلة عبد الباعث الترجمان

267

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

بموجود ، وبأنه وجود جميع الأشياء ، حتى القاذورات واجب ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا « 1 » . وهكذا فإنه تعالى وجود مطلق قائم بنفسه ، ليس بجوهر فيقدر له المكان ، ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء ، ولا بجسم فيكون له الجهة ، فهو مقدس عن الجهات والأقطار بمعناه أو بمفهومه لدى الصوفية ، ومفهومه لدى الحكماء العقلانيين ، فمفهوم الوجود المطلق لدى ابن سينا مثلا مغاير لأصحاب وحدة الوجود ، فقد أراد به الوجود المطلق الكلي ، أي المعنى العام الذي لا يوجد إلا ضمن جزئياته ، على حين أن القوم لم يكن مرادهم ذلك ، بل المطلق عندهم هو المعرّى عن كل قيد زائد على ذاته ، المتعين بذاته ، ولا شك أن ما هو كذلك فهو غني عمّن سواه ، وكل مقيد محتاج إليه لأنه قيّوم المقيّدات كلها . وعليه : يكون المطلق نوعان : فإن ما أراده القوم فقد تطابق العقل والنقل على وجوده ووجوبه وتشخصه وتعينه ، وقيامه بذاته ، ووحدته الذاتية وقيوميته ، على حين أنه بالمعنى الآخر المستمد من كلام الحكماء كابن سينا هو الكلي أي الوجود بمعنى الموجودية والكون والحصول ، فهو خروج عن المفهوم الصوفي المتعارف عليه « 2 » . كذلك فيما حمله المعترضون على ابن عربي قوله : " أن الوجود المطلق إنما هو موجود بذاته لذاته ، ففهموا أنه المطلق الإضافي ، ولكن ليس هذا مراده ، إنما قصده أن " الوجود لا بشرط شيء ، إذ أنه الوجود المطلق ، فالمطلق الإضافي ليس هو مقصد ابن عربي ، وكلامه صريح في أن الحق تعالى موجود بذاته في الخارج ، وأن ما عداه من الموجودات موجود به ، وقد قال في الفتوحات : " إن الحق تعالى موجود بذاته لذاته ، مطلق الوجود ، غير مقيد بغيره . . فلا يصح وجود العالم البتة إلا بوجود الحق " . فإنه مع تصريحه بأنه تعالى موجود بذاته قال : " إنه مطلق الوجود بالمعنى الذي دلّ عليه قول غيره " مقيد بغير " . يعني أن الوجود بذاته لا يتقيد بغيره بكونه معلولا أو علة ، لا بمعنى الكلي الطبيعي الموجود في الخارج في ضمن

--> ( 1 ) النابلسي ( عبد الغني ) ، كتاب الوجود ، ص 286 . ( انظر البرزنجي ، الجاذب الغيبي ، ص 321 ) . ( 2 ) البرزنجي ، المصدر السابق ، ص 337 .